المرأة في الانتخابات اللبنانية: مواطنة من الدرجة الثانية
5
points

ما هو مستوى مشاركة النساء في السياسة اللبنانية؟ هل يضمن القانون اللبناني حق المرأة في المشاركة وما هي التوجهات السياسية العامة في هذا االسياق؟ الى ماذا تشير الارقام الناتجة عن الانتخابات الاخيرة؟ هل من عوائق على وصول المرأة اللبنانية الى البرلمان اللبناني؟ هذه الأسئلة وغيرها كانت محور دراسة وتحليل أخصت بهما الدكتورة ليلى نقولا الرحباني موقع أصوات.
ويذكر أن الدكتورة الرحباني هي استاذة محاضرة في الجامعة اللبنانية الدولية وباحثة في القضايا الاستراتيجية وقضايا السياسة الدولية والمحلية اللبنانية. هي أيضا عضو مؤسس لجمعية "لبنانيون من أجل الديمقراطية والحكم الصالح" وعضو في عدة "منظمات غير حكومية". الدكتورة الرحباني حائزة على جائزة "كورت فالدهايم" لافضل بحث علمي لعام 2007, ولديها عدة مؤلفات ودراسات حول حوار الحضارات والقيم المشتركة بين الاديان، السلام في الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، والسياسة الاميركية في الشرق الأوسط.

المرأة في الانتخابات اللبنانية: مواطنة من الدرجة الثانية

ليلى نقولا الرحباني

"اعطِنا صوتكِ.. واكتفِ بجمالك"، شعار مناسب وواقعي للحالة التي وصلت اليها النساء في السياسة اللبنانية وبالاخص في الانتخابات النيابية الاخيرة. وبالرغم من أن المرأة اللبنانية حصلت على حقها في الاقتراع عام 1953، الا ان المستوى المتدني جدًا لعدد النساء الفائزات، والمشاركة الخجولة للمرأة ترشيحًا في انتخابات 2009 البرلمانية في لبنان، أعطى مؤشرًا خطيرًا لما سيكون عليه مستقبل المرأة في السياسة اللبنانية في المراحل المقبلة.

خلال مناقشة الاصلاحات في قانون الانتخاب اللبناني أعلنت الكتل السياسية مواقفها حيال الكوتا النسائية الواردة في مشروع القانون المقترح من لجنة بطرس، فأقرّت جميعها حق المرأة في المساواة مع الرجل بالوصول الى البرلمان، إلا ان معظم الكتل النيابية عارضت مبدأ الكوتا. ويسجّل لرئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون موقف متقدم في هذا المجال، لم يترجم فعليًا بل بقي ضمن إطار التصريح الخطابي.

اعتبر العماد ميشال عون ان تكتله رفض التصويت على الكوتا، لأنه مع المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، ولأن ميثاق التيار الوطني الحر ينصّ على هذه المساواة، وعليه وبما ان المرأة تشكّل نصف المجتمع، فلها الحق في أن تتمثل بنسبة 50% في البرلمان... كلام لم يترجم عمليًا على أرض الواقع بترشيح نسائي على لوائح التغيير والاصلاح، إذ تمّ ترشيح سيدة واحدة على مجمل اللوائح التي فاق عدد الذكور فيها 60 مرشّحًا.

أما الموالاة، وبالرغم من تصريحاتها المتكررة بوجوب المساواة بين الرجل والمرأة، إلا ان عدد الترشيحات النسائية على لوائحها لم تتعدَ الثلاثة، اللواتي تمّ ترشيحهن لأسباب عائلية ووراثية ودماء الشهداء.

وحاولت الحملات الاعلانية لفريقي الموالاة والمعارضة استقطاب المرأة للتصويت، فتوجّه التيار الوطني الحر الى المرأة بشعار "كوني جميلة وانتخبي"، ما دفع قوى الموالاة الى الردّ بحملة اعلانية تقول "كوني متساوية وانتخبي"... حملات دعت المرأة للتصويت والاقتراع، لم يخجل معدّوها من التدني الهائل في نسبة السيدات المرشحات على لوائحهم.علمًا أن الانتخابات النيابية لعام 2009 سجّلت إقبالاً لافتًا للنساء على الاقتراع، ما يعني أن اللبنانيات مارسن واجباتهن كاملة كمواطنات، لكن كانت تنقصهن الحقوق، الحقوق السياسية على وجه الخصوص، ما جعلهن مواطنات من الدرجة الثانية.

أولاً- انتخابات 2009: انحسار دراماتيكي للنساء

انتخابات 1992
سجّلت الدورة الانتخابية لعام 1992 مقاطعة شعبية كبيرة للانتخابات، وقد سجّل فيها ترشّح عدد من النساء لم يصل منهن الى البرلمان سوى ثلاث نائبات بالتعيين، هنّ: نايلة معوض عن محافظة الشمال علمًا أن وصولها كان من باب الوراثة السياسية بعد اغتيال زوجها الرئيس رينيه معوض، ومهى الخوري أسعد عن قضاء جبيل مسجلة 41 صوتًا، وبهية الحريري عن دائرة الجنوب، التي وصلت متكأة على نفوذ ودعم شقيقها رفيق الحريري.
انتخابات 1996 و2000
سجّلت دورة 1996، وصول ثلاث سيدات الى البرلمان هنّ: نهاد سعيد وهي من عائلة سياسية عريقة، ونايلة معوض، وبهية الحريري.
لكن الانتخابات البرلمانية التي حصلت عام 2000 شهدت ترشيحًا أكبر للسيدات اللواتي فشلن في الوصول الى البرلمان، باستثناء ثلاثة منهن، هنّ: غنوة جلول، وبهية الحريري ونايلة معوض.
انتخابات 2005
حصلت انتخابات عام 2005 في ظل انقسام سياسي حاد عكس الظروف المحلية والاقليمية الدقيقة والاستثنائية لتلك المرحلة، والتي انتجت استثناءً في عدد النساء اللواتي دخلن الى المجلس النيابي، فارتفع العدد الى ستة هنّ: بهية الحريري، ونايلة معوّض، وستريدا جعجع، وصولانج الجميل، وغنوة جلول، وجيلبيرت زوين.
انتخابات 2009
أما انتخابات العام 2009 التي حصلت مؤخرًا، فشهدت تراجعًا ملحوظًا لدور المرأة ترشيحًا وفوزًا، في مقابل اقبال نسائي لافت على الاقتراع، شهدته معظم المناطق اللبنانية. وفي تقييم هذه
الانتخابات نسجّل المؤشرات التالية:

1- تراجع نسبة عدد النائبات بنسبة 35% عن برلمان عام 2005، فقد انحسر عدد السيدات البرلمانيات الى أربعة، وهنّ نايلة توينيى وبهية الحريري وستريدا جعجع عن الموالاة، وجيلبيرت زوين عن المعارضة. وارتبط وصول البرلمانيات الأربعة بمعايير الوراثة السياسية ودماء الشهداء، فنايلة تويني هي ابنة الشهيد جبران تويني، وبهية الحريري شقيقة الشهيد رفيق الحريري، وستريدا جعجع هي زوجة قائد القوات اللبنانية سمير جعجع الذي لا يستطيع الترشّح، أما جيلبيرت زوين فهي سليلة عائلة سياسية اقطاعية في كسروان.

وسُجل خروج ثلاثة من النائبات السابقات، فقد استبدل تيار المستقبل النائبة غنوة جلول بمرشح الجماعة الاسلامية في بيروت عماد الحوت، وتخلت صولانج الجميل، زوجة الرئيس الشهيد بشير الجميل، عن مقعدها لصالح نجلها نديم، كذلك خرجت من المجلس نائلة معوض، أرملة الرئيس الأسبق رينيه معوّض، محاولة تجيير مقعدها لنجلها ميشال الذي خسر الانتخابات.
2- تراجع نسبة مشاركة النساء في الترشح للإنتخابات النيابية، من 34 إمرأة في انتخابات العام 2000 إلى 14 إمرأة فقط في دورة العام 2005، أي ما نسبته 3.5 % من مجموع عدد المرشحين، وصولاً إلى 12 إمرأة في الدورة الانتخابية لبرلمان 2009، أي ما نسبته أقل من 2 %.
3- إقبال على الاقتراع فاق نسبة الرجال: لعل مقارنة نسب التصويت في الدوائر التي شهدت معارك انتخابية حامية وتسييسًا كبيرًا، تؤشر الى أن المرأة اللبنانية لا تقلّ تسييسًا وحماسة عن الرجل. ففي زحلة مثلاً صوّت 60 % من الإناث مقابل 56% من الذكور، بينما كانت النسب في دائرة البقاع الغربي وراشيا على الشكل الآتي: 58% من الإناث و49 % من الذكور، وتعادل الطرفان في دائرة المتن الشمالي بـ55 في المائة لكليهما. أما في دائرة بيروت الاولى، فقد كانت نسبة اقتراع النساء،على غير حالها في معظم الدوائر الأخرى، اي أقل بشكل بسيط من نسبة الرجال، حيث صوّت 40% من النساء و41 % من الرجال.

ثانيًا- عوائق وصول المرأة الى البرلمان اللبناني:

تسجّل تجربة الانتخابات النيابية اللبنانية عوامل عدة تعيق وصول المرأة اللبنانية الى السلطة، أهمها:
• العقلية الذكورية لدى معظم السياسيين ورؤساء اللوائح والكتل النيابية، يضاف اليها النظرة "الدونية" للمرأة لدى معظم زعماء الأحزاب، الذين يحددون وجود المرأة في الصف الثاني والثالث بينما يحجمون عن تعيينها في المراكز الاولى حتى لو أثبتت كفاءتها وتفوقها على أقرانها الذكور.
• القانون الانتخابي الطائفي وتكاليف الترشيح والحملة الإعلامية الانتخابية، يضاف اليها الاصطفاف السياسي الحاد الذي يحدّ من قدرة المرشحات والمرشحين المنفردين على الخرق.
• غياب سياسة عامة وتشريعات تحثّ المرأة على المشاركة في المجال السياسي، وغياب القوانين التي تجبر اللوائح على ترشيح النساء.
• ضعف دور المنظمات غير الحكومية وعدم تمكّنها من تشكيل قوة ضاغطة فاعلة لتغيير التوجهات العامة السلبية تجاه موقع المرأة في هياكل السلطة.
• غياب البرامج الإعلامية الهادفة إلى حث المرأة للمشاركة في الحياة العامة والمجال السياسي.
• التربية الأسرية التي تعطي الأفضلية للذكر عند الاقتضاء، والعلاقة السلطوية داخل الأسرة حيث الرجل هو رب الأسرة في حال حضور الزوجين.
• عدم تشجيع الأهل للمرأة عامة بتعاطي السياسة والانخراط في الأحزاب والنقابات.
• القيم الحضارية والثقافية بما فيها الدينية، التي تجعل دور المرأة أساسيًا في إدارة شؤون الأسرة ورعاية الأولاد وتربيتهم وخدمة الزوج وتدبير شؤون المنزل، بينما الدور الخاص بالرجل يتجاوز حدود هذه المساحة ليشمل الساحة العامة كالانخراط في سوق العمل والتعاطي مع المؤسسات الاقتصادية والتعاطي بالشأن العام والمجال السياسي.
• شخصية المرأة ومسلكها وظروفها، والتي تتجلى في قلة ثقتها بنفسها وببنات جنسها، وعدم وعيها لحقوقها السياسية، وعدم اقتناعها عامة بأهمية المشاركة في الحياة العامة بما فيها القرار السياسي، بالاضافة الى عدم اندفاع معظم السيدات إلى خوض معارك انتزاع السلطة والقيادة من الرجل، وأخيرًا، التبعية الاقتصادية للرجل.