الحزب السياسي الجزائري في... أزمة
4
أصوات

بقلم: د. ناصرجابي
المقال نشر كذلك في صحيفة الجزيرة.
(لقراء ترجمة المقال باللغة الانجليزية اضغط على رابط الانجليزية أدناه)

حتى الآن لم نهتم بالقدر المطلوب بالظاهرة الحزبية عندنا ، رغم المؤشرات الكثيرة البادية التي تؤكد أن الحزب الجزائري يتخبط في أزمة فعلية متعددة الأشكال والمظاهر،الظاهر منها والمستتر .فقد كانت الانتخابات التشريعية الأخيرة -ماي 2007-على سبيل المثال وما ميزها من ضعف مشاركة شعبية ( واحد من ثلاثة فقط من الجزائريين شارك في هذه الانتخابات رسميا ، في حين تتحدث مصادر عن نسبة مشاركة اضعف )فرصة للحديث عن أزمة الحديث السياسي وفتح نقاش جدي لمعرفة لماذا فشل الحزب في استقطاب المواطنين وحتى مناضليه للمشاركة في العملية الانتخابية بهذا الحجم .ولما ذا يدخل الحزب الجزائري في سبات عميق بعد انتهاء الاستحقاقات الانتخابية مباشرة .

بعض الدلائل الأولى بمناسبة الانتخابات المحلية القادمة –نوفمبر 2007- تعيدنا إلى نفس المشهد ، فهذه المرة لن يكون المواطن هو الغائب عن هذا الاستحقاق الانتخابي بل المرشح كذلك ، فعلا فقد صرح أكثر من مسئول سياسي أن الأحزاب تشكوا من ظاهرة عزوف المرشحين لهذه الانتخابات التي فقدت الكثير من بريقها حتى بالنسبة للنخب التي كانت تستهويها في السابق وهي النخب المحلية متوسطة التكوين ذات الانتماءات الاجتماعية التقليدية وصاحبة الحضور القوي داخل البيروقراطية الحزبية محليا ، بعد أن سيطرت النخب المركزية صاحبة التعليم الجامعي والمسيطرة على الأجهزة الحزبية المركزية على الانتخابات التشريعية .

ما لم نهتم به بالقدر الكافي ونحن ندخل مرحلة التعددية وبروز الأحزاب السياسية كوسيلة عمل سياسي في بداية التسعينيات، أن الظاهرة الحزبية في الجزائر بثقافتها وأساليب عملها ولدى الكثير من الأجيال هي ظاهرة لا معروفة و لا مقبولة ربما، في حين ظننا أنها ستأتي وتترسخ لدينا بتلقائية كما تصب أمطار الخريف عندنا ، لمجرد أن هناك نص دستوري جديد يبيح التعددية الحزبية .على عكس فأن التجربة التاريخية تؤكد أن جيل واحد أو أثنين فقط من الجزائريين هم الذين عرفوا ظاهرة الحزبية والتعددية وعاشوها فعلا أثناء مرحلة الحركة الوطنية ولغاية انطلاق ثورة التحرير في بداية الخمسينات ، أي أن كل السمك التاريخي للحزبية لم يتجاوز الثلاث عقود من الزمن ،إذا افترضنا أن أول حزب جزائري تكون في بداية العشرينيات من القرن الماضي وان ظاهرة التعددية قد اختفت عمليا مع انطلاق ثورة التحرير (1954)

ما لم ننتبه له بالقدر الكافي ولنتائجه السلبية كسلوك وثقافة ومعاملات بعد انطلاق التعددية كذلك ، أن عديد الأجيال من الجزائريين – الشابة المولودة قبيل الاستقلال وما بعد -تملك نظرة غاية في السلبية للظاهرة الحزبية ، ولعدة أسباب، فقد قرأت في الكتاب المدرسي والتاريخي وسمعت من أفواه المتحدثين من جيل الفعل المباشر والثورة الذي سيطر فكريا وسياسيا بعد الاستقلال أن... رجال الحركة الوطنية ومؤسساتها السياسية وأساليب عملها قد أخروا انطلاق ثورة التحرير وأنهم كانوا مهادنين للأوضاع الاستعمارية وان الطابع البرجوازي يغلب على أصولهم وبالتالي لا يمثلون "الشعب" إلى آخر ما سمعنا وقرأناه لسنوات طويلة قراءات تكرست في سلوكات وثقافة تجلت في معاداة للمثقفين والفئات الوسطى المتعلمة على قلتها التي اتهمت بأنها لم تكن حازمة بما فيه الكفاية مع الظاهرة الاستعمارية .

وهي بالمناسبة نفس ما نسمع عن بعض التجارب البرلمانية الناجحة في العالم الثالث هذه الأيام،المتهمة من قبل الرافضين لها بكونها تجارب... تعطل العمل الحكومي و...تعرقل المنجزات و...تتفلسف أكثر من اللزوم بل و...تكلف ميزانية الدولة أموال طائلة و...تشوه سلطة اتخاذ القرار على مستوى الدولة .

تجربة الأحادية وممارساتها السلبية التي عشناها كنظام سياسي ومجتمع بعد الاستقلال زادت الصورة سوادا في أعين الأغلبية من الجزائريين الذين رفضوا الدخول فيها، فأصبحت لا تهم إلا مجموعات صغيرة من موظفي الدولة وقاعدتها البشرية المباشرة.فقد تساوى العمل الحزبي بالانتهازية والتسلق والسكوت عن المظالم بحجج تبين بعد فترة أنها واهية جدا كلفتنا غاليا.تجربة استعمل فيها التنظيم الحزبي كواجهة فارغة من دون حياة، لتمرير ما يقرره صاحب القرار الفعلي الإداري والأمني الذي خصص بعض موظفي الدولة –المعلمين كانوا على رأسهم – في التموقع داخل أجهزة الحزب الأحادي كقاعدة بشرية لهذه التجربة القريبة من بعض التجارب العربية كالناصرية وحتى البعثية في بعض ملامحها .

فقد منحت التعددية الحزبية في التسعينيات إذن لأجيال من الجزائريين لم يجربوها في السابق ولم يعيشوها أو يملكون نظرة سلبية منها ،طورها الفكر السلفي والديني وهو في حالة صعود بدءا من نهاية الثمانينيات إلى مواقف إيديولوجية معادية للكثير من منجزات الفكر الإنساني المنسوبة عنوة إلى الغرب، كالديمقراطية التي سويت بالكفر لدى بعض التيارات الجذرية ، لدرجة يمكن القول معها أن أحسن حزبي عرفته التعددية هو ذلك الذي جرب العمل السري بكل سلبياته الكثيرة وايجابيته القليلة كما هو حال الإخوان المسلمون وبعض تيارات اليسار والحركة الأمازيغية .حزبي خرج لتوه من السرية ليمارس التعددية فأعاد إنتاج الكثير من تجربته السرية القديمة كالإقصاء ورفض الحوار داخل التنظيم وتأليه الزعامة والفرد بحجج كثيرة كان على رأسها معاداة المحيط وأجهزة الدولة ليكون الانشقاق إذا لزم الأمر ولم يجد المناضل ضالته داخل التنظيم ...الخ .شرور لا زالت تميز العمل الحزبي عندنا حتى لدى أكبر الأحزاب المدعية الديمقراطية.

لم يكن مفاجئا والحال على ما هو عليه أن ننتج تجربة حزبية عرجاء ،تعرف الكثير من حالات القصور والتشويهات ، بالنظر إلى وظائف الحزب التقليدية المعروفة في تجارب ناجحة كإنتاج نخبة سياسية و تأطير المواطنين وتمثيلهم وتصور حلول واقتراحات، بل والتداول السلمي على السلطة من خلال الحل السلمي للنزاع الذي يعيشه المجتمع إلى آخر الوظائف المعروفة للحزب السياسي.فالحزب السياسي الجزائري فشل فشلا ذريعا في تجنيد المواطن الجزائري الذي بقى خارج اللعبة السياسية ،إذا استثنينا حالة التجنيد التي عشنها في بداية التسعينيات والتي تؤكد هي الأخرى وبطريقتها فشل الحزب مرة اخرى الذي لم يؤدي وظيفة الحل السلمي للنزاع و التأطير السياسي للمواطن، بحيث تغلبت القوى المنادية بالفعل المباشر العنيف على قيادات أكبر الأحزاب في تلك الفترة لنعيش الويلات التي عشناها والتي كادت أن تعصف بكل التجربة التعددية التي شوهتها وأفرغتها من محتوياتها حتى وان لم تقض عليها قانونيا.

الحزب السياسي فشل مرة اخرى في أداء وظيفته الأساسية الوصول إلى السلطة والتداول السلمي عليها بحيث أن لا علاقة مباشرة بين نتائج الانتخابات والوصول إلى السلطة – لا التنفيذي منها ولا التشريعي -وكأننا أمام أحزاب من دون أهداف فعلية ،تستطيع من خلالها أن تجند المناضل والمواطن ، فما الذي يغري المواطن في النضال داخل أحزاب وتجنيد المواطنين حولها ،إذا كان يعرف مسبقا أن مشاركته الفعلية في اتخاذ القرار ستكون قريبة من الصفر، ليس في البرلمان الذي أصبح وسيلة تشويه للعمل السياسي أكثر من شيء آخركما بينت نسب المقاطعة لانتخاباته ، ولا في الجهاز التنفيذي الذي تركزت فيه السلطة الفعلية منذ سنوات التعددية الأولى بين وزراء ... بحجة أنهم غير حزبيين وبالتالي يمكن الثقة فيهم ومنحهم قطاعات مهمة وسلطة قرار واسعة كما بينت بشكل جلي تجربة بوتفليقة الذي منح القطاعات الحساسة داخل الجهاز التنفيذي ( الداخلية ، الخارجية ، النفط ، العدل )منذ وصوله إلى السلطة في 1999 إلى تكنوقراطيين من ميزاتهم الأساسية تلك العلاقة الخاصة والشخصية التي يملكونها معه ، والمبنية و على أسس جهوية واضحة .

إفراغ العمل الحزبي من محتواه ومنع الحزب من أداء وظائفه ، جعلته يكتشف وظائف اخرى غير تلك التي خلق من جلها أصلا ، فقد أفرزت هذه التجربة أحزاب كسيحة ونخب حزبية قيادية لا تتوفر على أدنى شروط القيادة ،فكم من مرة استمعنا إلى أكثر من قيادي حزبي وهو يشنف آذاننا بـ" خطاب" سياسي أغرب من الخيال لا يجعل المواطن يتنكر للتعددية والحزبية ،بل يكفر بكل القيم، لضحالة محتواه وسوء أسلوبه وبكل اللغات المعروفة والمتداولة. أحزاب تعيش حالة غليان دائمة تنفجر في كل مناسبة انتخابية ومؤتمر، من سمتاها الانشقاق ورفض الحوار والخواء الفكري والسياسي.

بالطبع الصورة تبدوا قاتمة ومثبطة لأكبر العزائم ،لكنه ليس ميؤوس منها في نهاية الأمر، إذا اقتنعنا أن بروز تجربة حزبية وطنية ناجحة أو حتى متوسطة الأداء ليس عملية تلقائية في ضل التجربة التاريخية التي عاشتها الجزائر وداخل نظام سياسي معروف بعدائه للعمل السياسي المستقل الذي يمكن أن تقوم به نخب حزبية تنافس على الوصول إلى مراكز القرار الفعلية .

قد تكون أول الخطوات للوصول إلى وضع تصورات للخروج من الأزمة ، الاعتراف فعلا بأن التجربة الحزبية الجزائرية في أزمة بل وأزمة عميقة جدا ، يليه بعد ذلك فتح نقاش وطني جدي وصريح للخروج وتجاوز الأوضاع القاتمة القائمة ، إذا اقتنعنا فعلا بأننا لازلنا في حاجة إلى حزب سياسي في الجزائر .

elwadi (10 ديسمبر, 2007 - 22:36)

يهيمن على المناخ السياسي في الجزائر منذ عام 1991 الصراع بين الجيش والمتشددين الإسلاميين. ففي ذاك العام ألغت الحكومة انتخابات عامة كان حزب جبهة الإنقاذ الإسلامي على وشك الفوز بها، مما بدأ حملة دامية أسفرت عن ذبح وقتل عشرات الآلاف.

وفي نوفمبر/تشرين ثاني عام 1996، حيث كانت حرب أهلية تدور في البلاد، أدلى الناخبون الجزائريون بأصواتهم لإقرار دستور جديد منح الرئيس سلطات جديدة كثيرة.

كما منحت الحكومة الحق في حل المجلس البرلماني القائم وإحلال مجلس تشريعي جديد أضعف محله.

وفي الانتخابات الرئاسية التي تلت ذلك في أبريل/نيسان 1999، وصل عبد العزيز بوتفليقة إلى السلطة. وقد خاض الانتخابات دون معارضة بعد انسحاب ستة مرشحين آخرين من الساحة احتجاجا على ما وصفوه بالتزوير الانتخاب.
المشكل السياسي المطروح الان هو محاولة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفلية الترشح للرئاسة لولاية ثالثة، رغم ان الوثيقة الدستورية لا تخول له ذلك.
من خلال هذه المعطيات التاريخية هل ضعف الاحزاب الجزائرية، ساهم في تكريس السلطة في يد الحزب الحاكم رغم تعدد الافكار والبرامج الحزبية،وبالتالي عدم افراز معارضة قوية قادرة على مرافبة وتقييم العمل الحكومي.

Elmosleh (26 نوفمبر, 2007 - 00:37)

تحليل متميز لمكامن الخلل في التجربة الحزبية الجزائرية، ورصد موضوعي لوضع الأحزاب السياسية في الجزائر والدور الذي ينبغي أن تضطلع به، من تأطير للمواطنين وإفراز لنخبة سياسية فاعلة والمساهمة في صياغة سياسات تستجيب لتطلعات كافة شرائح المجتمع الجزائري.

لذا فأنا أشد على ساعد الدكتور ناصر جابي، وأوكد بأن الخطوة الأولى من رحلة العشرة آلاف ميل، يتعن أن تبدأ بفتح حوار وطني جزائري جدي وصريح يشرك جميع الفرقاء السياسيين وكافة شرائح المجتمع، وذلك من أجل تصور حل عملي لتجاوز الأوضاع الراهنة و الخروج بالأحزاب السياسية في الجزائر من أزمتها المتفاقمة.

كما أرى أن موقع مثل أصوات قد يوفر منبرا للنشطاء السياسيين الجزائريين وإخوانهم العرب عامة، ويمنح الفرصة لاطلاق المبادرة لهذا النوع من الحوار علي مستوى غير رسمي، أملا في أن تتسع الدائرة باستجابة الجهات الرسمية وينخرط الجميع في حلقة الحوار الدائر بغية تحقيق النتائج المنشودة.

المصلح07